كينيا.. “الوادي المتصدع” ينجب أبرز العدائين العالميين


وعلى بعد أمتار قليلة من الشارع الذي كان يركض فيه أوتاما؛ كان حامل اللقب العالمي إليود كيبشوج ومعه ثمانية عدائين عالميين آخرين يتدربون استعدادا لماراثون بوسطن الاثنين المقبل.

ويأمل أوتاما أن يكون يوما ما مثل كيبشوج ويصبح عداء عالميا ويحقق الإنجازات الكبرى التي حققها وغيره من العشرات من العدائين الكينيين الذين يهيمنون اليوم على أكبر وأشهر السباقات العالمية.

وفي الواقع؛ وعلى مدار 6 عقود حصد أكثر من 100 عداء كيني معظم ذهبيات وميداليات السباقات العالمية؛ لكن المثير للدهشة أن 73 في المئة من حاملي تلك الجوائز أتوا من مدينة “ايتن” عاصمة منطقة الوادي المتصدع في شرق البلاد.

محفزات عديدة

مثل أوتاما؛ ينشأ المئات من الشباب في منطقة الوادي المتصدع وهم محاطون بعدائين كبار تحيط بهم قصص نجاح عالمية ويتمتعون بمداخيل مالية ضخمة.

ويقول أوتاما لموقع “سكاي نيوز عربية”: “أريد أن أصبح مثل هؤلاء الكبار وأن تكون لدي مثلهم سيارات فارهة وبيوت فاخرة وقدرة على السفر إلى جميع أنحاء العالم وأن أرى صوري في التلفاز والصحف”.

ومع وجود الدوافع والمحفزات؛ بدأت إيتن تجتذب المزيد من الشباب الذين يتركون الدراسة في سن مبكرة على أمل الالتحاق بمسيرة نجوم سباقات الجري.

ومن بين أبرز نجوم الجري الذين أنجبتهم مدينة إيتن؛ إبراهيم حسين الفائز بأربع ذهبيات في ماراثونات بوسطن ونيويورك؛ وبيتر رونو ، الحاصل على الميدالية الذهبية الأولمبية لعام 1988 في سباق 1500 متر؛ إضافة إلى ويلسون بويت كيبكيتر بطل العالم في العام 1997 والحاصل على الميدالية الفضية الأولمبية لعام 2000 في سباق 3000 متر موانع؛ وماثيو بيرير الحاصل على الميدالية الذهبية الأولمبية عام 1992 في سباق 3000 متر حواجز؛ وديفيد روديشا الحاصل على الميدالية الذهبية الأولمبية لعامي 2012 و 2016 وحامل الرقم القياسي العالمي في سباق 800 متر.

أسباب جغرافية وبيولوجية

معظم العدائين الكينيين ينحدرون من قبيلتي “كالينجينز” و”نانديز” في منطقة الوادي المتصدع والتي تشكل سكانها 10 بالمئة فقط من سكان البلاد البالغ عددهم 50 مليون نسمة.

وبفضل طبيعتها الجغرافية المرتفعة فقد أصبحت هواية الجري تشكل أسلوب حياة لسكان منطقة الوادي المتصدع التي أصبحت أيضا وجهة تدريبية مفضلة للنجوم والمدربين العالميين.

وقد يكون لارتباط سكان المنطقة برياضة الجري علاقة بجذور بيولوجية؛ إلا أن التكوين الجغرافي للمنطقة كان له أثر كبير؛ حيث أن مدينة أيتن؛ مثلها مثل القليل من مدن العالم التي تقع على ارتفاع يزيد عن 2400 متر فوق سطح البحر؛ تساعد العدائين على تحسين أدائهم؛ والتفاعل مع المتغيرات الجديدة والتأقلم مع النقص النسبي للأكسجين سواء بزيادة كتلة خلايا الدم الحمراء أو بتغيير حالة العضلات؛ وبالتالي تكون لديهم قدرة أكثر على التركيز عندما يشاركون في مسابقات الجري العالمية التي يقام معظمها في مدن منخفضة.

ويتميز الكثير من سكان منطقة الوادي المتصدع ببنية جسمانية صحية؛ حيث يعتمدون على الحليب في معظم مكوناتهم الغذائية.

إرث قديم

تتميز قبيلتي “كالينجينز” و”نانديز”؛ بثقافة قديمة في مجال الجري؛ فمنذ عشرينات القرن الماضي كان المبشرون البريطانيون يشجعون رجال تلك القبائل على الانضمام إلى مسابقات الجري كطريقة لإلهائهم عن المطالبة بالاستقلال او التسبب في الاضطرابات الأمنية والسياسية.

رحلة الفوز

بدأت كينيا رحلة الفوز بسباقات الجري الدولية في العام 1964؛ حيث أحرزت أول ميدالية لها في أولمبياد طوكيو التي أقيمت في ذلك العام.

وفي أعقاب ذلك زاد الاهتمام برياضة الجري؛ حيث بدأت الهيئات الحكومية المدنية والعسكرية في تنظيم المسابقات ورعاية العدائين البارزين.

واستمرارا لذلك الزخم؛ حصدت كينيا أربع ميداليات ذهبية في أولمبياد سيول في العام 1988.

ومنذ ذلك الوقت اتجهت أنظار الشركات العالمية الكبرى نحو منطقة الوادي المتصدع لرعاية العدائين الموهوبين.

ولم يقتصر الاهتمام على أهل المنطقة فقط؛ حيث بدأ الشباب الكينيون في التوجه إلى إيتن للاستفادة من المميزات التي تتوافر فيها وللعثور على مدربين عالميين يساعدونهم على صقل مواهبهم.

وفي ظل ذلك الزخم المتزايد نشأت العديد من مراكز التدريب ودور الضيافة المخصصة لرعاية وإيواء الموهوبين.

كما تحولت مدينة إيتن إلى مركز لتدريب العدائين العالميين حيث يأتي إليها المحترفون من الولايات المتحدة الأميركية واليابان وكوريا وبريطانيا وبلدان أوروبا الأخرى.

يقول فينسينت أو.أونيويرا؛ أستاذ علوم الرياضة في جامعة كينياتا في نيروبي إن شغف سكان منطقة الوادي المتصدع برياضة الجري حول المنطقة بأكملها؛ وخصوصا مدينة إيتن إلى وجهة عالمية للباحثين عن الشهرة والفوز بسباقات الجري.

هيمنة نسائية تعقبها مآسي

بعد سنوات قليلة من استحداث منافسات السيدات في أولمبياد لوس انجلوس في العام 1984؛ بدأت العداءات الكينيات في الهيمنة حيث فازت تيقلا لوروبي في العام 1994 بذهبية ماراثون نيويورك.

إلا أن الأموال والجوائز الطائلة التي تدفقت على العداءات كانت وبالا على المنطقة التي تصدرت مناطق العالم الأخرى في الجرائم الموجهة ضد العداءات السيدات حيث شهدت مقتل 5 منهن خلال العامين الماضيين.

وفي أكتوبر 2021؛ فجع الكينيون بمقتل أغنيس تيروب البالغة من العمر 26 عاما وذلك بعد أشهر قليلة من تسجيلها رقما قياسيا عالميا في سباق الطرق لمسافة 10 كيلومترات للسيدات.

لكن تيروب لم تكن الأولى أو الأخيرة فقد شهدت الأعوام الثلاثة الماضية مقتل 5 عداءات كبار في المنطقة.





المصدر

Exit mobile version